أحمد بن محمد مسكويه الرازي

272

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ملكناه ، فدلنا على الكثير مما وصفناه ، ولعل بعض من يصل إلى الملك أو السلطان فالتذ في مبدأ أمره مدة يسيرة جدا ، بمقدار ما يتمكن منه وتتفتح عينه فيه ، ولكنه بعد ذلك يصير جميع ما ملكه كالشئ الطبيعي له ، لا يلتذ به ولا يفكر فيه ويمد عينه إلى ما لا يملكه ، فلو ملك الدنيا بحذافيرها لتمنى دنيا أخرى أو نزقت همته إلى البقاء الأبدي ، والملك الحقيقي ، حتى يتبرم بجميع ما وصل اليه وبلغته قدرته . وذلك ان حفظ الدنيا أصعب جدا لما في طبيعتها من الاخلال والتلاشي ، ولما يضطر الملك اليه من الأمور التي وصفناها والأموال الجمة المصروفة إلى الجند المرتبطين والخدم المتسومين ، والذخائر والكنوز المعدة للآفات والحوادث التي لا يؤمن طروقها ، فهذه حال طلاب النعم الخارجة عنا . وأما تلك النعم التي هي في ذواتنا فإنها موجودة عندنا وفينا ، وهي غير مفارقة لنا لأنها موهبة الخالق جلّ وعلا ، وقد أمرنا باستثمارها والترقي فيها ، فإذا قبلنا أمره أثمرت لنا نعما بعد نعم ، ورقينا درجة بعد درجة حتى تؤدّينا إلى النعم الأبدية التي وصفناها في ما تقدم ، وهو الملك الحقيقي الذي لا يزول والغبطة الأبدية الصافية التي لا تحول ، فمن أخسر صفقة وأظهر سقطة ممن أضاع جواهر نفيسة باقية هي عنده وموجودة له ، وطلب اعراضا خسيسة فانية ليست عنده ولا موجودة له ، فان اتفق ان يجدها ، لم تبق له ولم تترك عليه ، وذلك انها تنقل عنه أو ينقل عنها لا محالة ، فلذلك قال الحكيم لمن رزق الكفاية ووجد القصد من السعادة الخارجة أن لا يشتغل بفضول العيش « 1 » فإنها بلا نهاية ، ومن طلبها أوقعته في مهالك بلا نهاية لها .

--> ( 1 ) . فضول العيش ، أي : الزيادة في طلب الرزق والعيش . وفي الحقيقة ، لا يوجد دليل لدينا على